هشام جعيط
294
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
مكلفا بالسلسلة بمدينة واسط ) « 1 » هذا الجسر يسهل قطعه ، هو ضيق نسبيا ، إذ حين يتكاثر الناس عليه يدور الحديث عن الزحام « 2 » . ولّما اتسع حجم المبادلات وتزايدت حدة الشعور بالتنظيم والاستقرار اتخذ عمر بن هبيرة الوالي ( 103 - 105 ) قرارا ببناء قنطرة بمواد صلبة . وأعاد القسري البناء وحسنه ثم جرى إصلاحه عدة مرات بعد ذلك « 3 » . أورد البلاذري خبرا مفاده أن أصل البناء يعود إلى العصر الساساني الغابر ، وروى أن مهندسا عربيا من النساطرة الجعفيين بنى القنطرة التي انهارت بعد مدة ( لأنها بنيت من لبن على الأرجح ) ، مما أدى إلى إقامة جسر من المراكب كممر بديل « 4 » . ويزعم هذا الخبر أن زيادا كان أول من أعاد بناء القنطرة ، وأن ابن هبيرة وخالدا وابن شبيرة الثاني قاموا بإصلاحها ثم تناوب الولاة على الاصلاح . ومن العسير اعتماد هذا الخبر ، لأنه لم يرد خبر آخر يتعلق بوجود قنطرة في ولاية زياد بل بعد زياد . وروى أبو مخنف أن هناك قنطرة قريبة من دير عبد الرحمن « 5 » ، كما ذكر أن أهل الكوفة خرجوا سنة 82 ه لاستقبال ابن الأشعث « بعد ما جاز قنطرة زبارا » « 6 » . فهل يطابق هذان الخبران الصادران عن هذا المؤرخ ، اسقاطا لواقع لاحق ، كما كان ديدنه في صور كثيرة ؟ وهل أنهما يتعلقان بأمر آخر غير قنطرة الكوفة ؟ في الحقيقة ، الأقرب إلى الصواب أن تكون القنطرة أمرا حديثا ، وأنها من عمل ابن هبيرة نفسه الذي روي عنه فضلا عن ذلك أنه كان أول من نظم الأسواق في واسط حيث ولّى صاحبا للسوق . بقي علينا أن نحدد مكانها . لا يمكننا القطع أنها كانت تقع مطلقا على الرافد الكوفي للفرات بدل نهر سورا . والمرجح أنها كانت توجد دون شك بمكان يعرف بزبارا « 7 » بعيدا عن الجسر فيما يظهر ، كما أكد ذلك خبر ورد بكتاب المقاتل أدرج في رواية تتعلق بثورة أبي السرايا « 8 » . إن
--> ( 1 ) ابن سعد ، الطبقات ، ج 6 ، ص 83 - 84 . ( 2 ) الطبري ، ج 6 ، ص 207 . ( 3 ) فتوح البلدان ، ص 286 ؛ ابن الفقيه ، ص 183 ؛ البراقي ، ص 120 ، وقد حدد هذا الأخير موضعها بمكان يعرف حاليا بقنيدره ، في الجنوب الشرقي من المسجد . ( 4 ) فتوح البلدان ، ص 286 . ( 5 ) الطبري ، ج 6 ، ص 81 - 82 . أبو مخنف ذاته يذكر هذه القنطرة في الأخبار المتعلقة بعلي لكن يظهر من السياق أنها والجسر شيء واحد : الطبري ، ج 5 ، ص 83 . ( 6 ) المرجع نفسه ، ج 6 ، ص 346 . وقد ورد ذكر وجود قنطرة بالحيرة : ابن سعد ، ج 6 ، ص 209 ؛ صالح العلي ، « منطقة الكوفة » ، ص 239 ؛ الأغاني ، ج 13 ، ص 41 . ( 7 ) الزبيدي ، ص 164 . ( 8 ) مقاتل . . . ، ص 553 . لكن الخبر الخاص بعلي يوحي بالقرب إذ يقول أبو مخنف في الطبري ، ج 5 ، ص 83 ما نصه : « وخرج فعبر الجسر فصلى ركعتين بالقنطرة » . إذا بالطبع لم يعن هذا القول أنهما شيء واحد كما ذكرنا أعلاه .